القاضي عبد الجبار الهمذاني
308
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ومنها : أن يكون ذلك العلم يتصل بما يمكن معه الحيل في الأفعال ، إما بآلات يتهدّى إليها ، فيمكن بها ما لا يمكن بغيرها ، فيختص العارف بذلك ، بأن يتمكن من ذلك الفعل ؛ ويدخل في ذلك الحيل التي قد يختص بها البعض ، بأن يظفر بآلة ، أو يتحمل مشقة شديدة ، فيختص بذلك على هذا الحدّ . ومنها : أن تحصل العلوم بعادة يختص بها فريق ، كاختصاص الفلاحين بما يتصل بطريقتهم ، وأهل البحر ، والتجار ، والمنجمين ، الذين ينظرون في عادات النجوم . ومنها : طريقة الطب ، وهو مقارب لما ذكرناه ؛ لأنه متعلق بالتجربة ، والأمارات ، والحفظ ، ولا يخرج عن هذه الوجوه . ومنها : ما يتعلق بطريقة الاستدلال والاستنباط ، فتحصل كثرته وقلته ، بحسب النظر ، وتكلف المشقة ، وما يسهله اللّه عز وجل بفضل الذكاء والفطنة ، نحو معرفة الكلام ؛ فأما الفقه فإن أكثره متعلق بالحفظ ؛ لأن نفس المسائل وأجوبتها محفوظة ، أو يحفظ ما يجرى مجرى الدلالة والعلل ؛ ثم تفرّع عليه المسائل والعلل ؛ وأما اللغات فمحفوظة لا محالة ؛ وكذلك النحو ، فهو ترتيب حال المحفوظ وعقود جمله ؛ وجميع ما يختص به العباد من العلوم لا يخرج عن الأقسام ، التي ذكرناها ، وما يقاربها ؛ وقد علمنا أن جميع ذلك لا يصح فيه التفاوت ، بل لا بدّ من أن يقع فيه التقارب ، وإن كان لا يمتنع أن يختص بذلك الطريق ، الذين صرفوا الهمة إلى ذلك الباب ، لا لأن غيرهم لا يمكنه مساواتهم فيه ، لكن لأنه متشاغل عنه بغيره ، مصروف الهمة إلى سواه ؛ لأن جميعهم لو اشتغلوا بالأمر الواحد لاختلت الأحوال ، في المعاد والمعاش ، فركب اللّه الطباع على هذا الحدّ من